 |
|
 |
|
*
(( الجزء الثالث ))
*
إن اصطلاح "الأدب المنعزل " يجب الا يؤخذ على انه ينطوي على حكم قيمي, بل انه يشير الى وضع هذا الأدب ضمن حدود تراث ادبي اخر اكثر شمولا. فمثل هذا الأدب يعبر في العادة عن تجربة جماعية لا ذاتية، وهو شديد الارتبا!ط بالسياسة. ويطمح كذلك الى توكيد هويته باستخدام لغة "على درجة عالية من الانعزالية،" أي أنها تتضمن خصائص لغوية تعكس وضعها المنعزل. وإذ يستخدم الأدب مثل هذا اللغة "يغلب ان يلاحظ اتجاهان مترابطان : فقر في الأشكال اللغوية وفي تركيب العبارات وفقدان لبعضها، وفي الوقت نفسه توسع عجيب ذو اثار متراوحة.، وميل نحو المبالغة اللغوية والتفسير النثري").
إن انشغال الشعر الأندلسي بالصراع السياسي الخارجي مع "الاخر" وهم الاسبان في هذه الحالة، يكاد يشبه انشغال الشعر في المشرق بحروب البيزنطيين المستمرة مع العرب, كما احسن التعبير عنها عدة اجيال من الشعراء مثل ابو تمام (188/804 _230 / 845) والبحتري (205 / 822 / 284 / 898) والمتنبي (303 / 916 ـ 354 / 966). وبوجه عام لا نجد في الشعر الاندلسي الرسمي أي أثر لقلق سياسي لشعب منعزل ومحاصر، ومن المؤكد انه لم يكن أدب حصار في حاجة الى التكاتف – فقد كان الشعراء في الغالب في صراع بعضهم مع البعض الاخر، ومع الحكام في بعض الاحوال. وقد كان الشعر الاندلسي لا يختزن سوى ذاكرة الشعر العربي في المشرق, مؤكدا بشكل انتقائي او عشوائي على هذه الفترة او تلك, واحيانا على عدة فترات معا، فيدين بالولاء لذلك الشعر. وكان الشعر الاندلسينفسه مشربا بدرجة عالية من الحنين الى الثقافة الأم في المشرق.
وعلى الرغم من جميع محاولات الكتاب الاندلسيين التوكيد على تفوق الابداع الاندلسي, فقد تخلف شعور كامن بالنقص تجاه المشرق. ولئن كان ذلك الشعر يكشف عن أية أزمة في الهوية، فان ذلك لا يقع الا في حدود موقفه تجاه المشرق نفسه, ولئن كان ثمة من علامة على "أدب حدود" في النتاج الأدبي الاندلسي الرسمي, فان تلك الحدود هي أصوله الخاصة، جدوده, لا الأصول الايبيرية. إن الجهد الأكبر للشعر الاندلسي يكمن في طموحه إلى البقاء ضمن حدود الشعر العربي الموروث, لا إلى تخطيها وألا يفقد، من خلال علاقاته الثقافية المزدوجة أيا من "الاشكال اللغوية والتركيبية" في أصوله الشعرية. والحق ان الخصائص الكبرى في الشعر المشرقي قد تم الحفاظ عليها بنجاح, ولكن كان لابد للجهد أن يتتبع كذلك محاولات دؤوبة في "المبالغة اللغوية" و،"التوسع المعبر"
وفي ذلك التوهج والتصميم البالغ بعبارة فرانز كافكا الذي يميز أدبا يجهد دومالإثبات نفسه. غير أن هذا الصراع تهاوى أمام الموشح, وهو التجديد الاندلسي الحق, الذي يعكس ازدواجية اللغة والحضارة. وهكذا فقد تزامنت في الاندلس تجربتان شعريتان, الاولى تكاد تكون مستعبدة في ولائها نحو الأصل, مقيدة بمبادئه وافضلياته, والثانية تتكيف بشجاعة مع محيطها المباشر، وتعبر عن نفسها بتلك الاغاني المشذبة السهلة على ما فيها من تعقيد في الشكل,وجنوح في الاسلوب, وتحول في بنية الجملة والايقاع, ومغامرة في اللغة (ويكفي أن نجد في اختلاط العربية بلغة الرومانس في بعض الخرجات ما يصور هذا الفن المعقد) مما جعلها اندلسية بالدرجة الأولى.
إن هذا التداخل العربي - الايبيري قد جرى،على ما يبدو، في سهولة ويسر من دون أزمة هوية ظاهرة، ربمالأن هذه الأشكال الشعرية قد ارتبطت مباشرة بالموسيقى، فاعتبرت منذ البداية من الشعر الخفيف الذي يناسب الغناء، ولم ينظر اليها على انها تنافسى الشعر الرسمي - وهو فصل بين الاصناف ما يزال قائما في العالم العربي حتى يومنا هذا.
ومع ذلك, فان ملاحظة ليفي بروفنسال الدقيقة حول وجود بعض الكلمات والتعابير الوعرة في الشعر الاندلسي تستحق نظرة خاصة في هذا المجال. ان القارىء الذي ألف الانسياب والتناغم في الشعر العربي المشرقي لابد له ان يلاحظ منذ البداية شيئا من الوعورة في اللغة، وعدم التناسق في الاسلوب,وميلا الى الغريب في كثير من الشعر الاندلسي. واحسب أن أحد الأسباب وراء هذه المظاهر أن الشاعر الاندلسي لم يكن شديد التمكن من العبارة الشعرية التي كان يمتلكها الشاعر المشرقي بشكل غريزي - لا بسبب ازدواجية اللغة التي سبق الحديث عنها، بل لأن الشعر في الاندلس قد عانى من انقطاع شديد عن تقاليده في المراحل المبكرة من الفتح الاسلامي لشبه جزيرة ايبيريا، ذلك لأن القادمين الجدد انصرفوا في البدء، الى بناء مجتمع اسلامي بكر واقامة طريقة في العيش والتعامل, ثم بعد ان أسسوا دعائم الحياة الجديدة غدا بوسع الثقافة ان تنتعش.وقد بدأ ذلك بدرجة محدودة في عهد اول امراء بني امية، عبدالرحمن الأول الداخل (الذي حكم من 138/ 756 ـ 172/ 788). ولكن على الرغم من اهتمام هذا الامير شخصيا بالشعر والثقافة (اذ كان هو نفسه شاعرا)، فان النشاط في هذا المجال بقي مترددا، حتى ان الشعراء الاندلسيين بعد جيلين أو ثلاثة لم يعد لديهم السيطرة التلقائية نفسها على التقاليد الشعرية الموروثة كما كان لدى نظرائهم في المشرق. ان مسألة الانقطاع عن التقاليد الشعرية تستحق نظرة فاحصة.
وانا إذ لا أقول إن الأدب يسير حسب خطة تسلسلية حتمية تؤدي الى تطور في خط مستقيم منتظم فاني ارى أن الاستمرارية في الأدب غاية في الأهمية. إن التطور المستمر والمتوقع أحيانا للمدارس الأدبية والأنماط القائمة ليس هو الاتجاه الوحيد الذي لابد للعرف الشعري المتواصل أن يتخذه, فان ذلك التطور يمكن أن يعرف بشكل غير متوقع تحولات مفاجئة مثل تفرعات الأنواع الأدبية، أو تطرف غير منتظر في الموضوع والأساليب.. الخ ومع ذلك, من المهم ألا يحدث انقطاع في تواصل هذا العرف لأية فترة من الزمان, فلا ينفصل عن الذاكرة المباشرة لجيل جديد من الشعراء والكتاب.
لقد سبق للشعر العربي أن عرف مثل هذا الانقطاع مع ظهور الاسلام, عندما تراجع الشعر امام رفعة القرآن الذي انتزع اعجاب العرب بما فيه من نفيس الصفات الجمالية والأدبية. وعندما اتهمت قريش النبي الكريم بأنه شاعر مفتون, حمل القرآن على الشعر، حتى فقد الشعر منزلته الأثيرة خلال عهد الخلفاء الراشدين. إن هذا الانقطاع النسبي الذي دام أربعين سنة وحسب (انتهت عندما تولى الامويون الحكم وشجعوا الشعر والشعراء خدمة لاغراضهم السياسية) كان كافيا لبعض كبار الشعراء الأمويين الذين انتقلوا إلى دمشق وبعض المدن الجديدة مثل البصرة (التي بنيت عام 14 /636) والكوفه (التي بنيت عام 638/17) فأساءوا فهم بعض التقاليد الشعرية التي سبقت ظهور الاسلام. انهم, على سبيل المثال, لم يدركوا تماما بعض معاني الاعراف الصحراوية الرمزية او تلك التي تضمنت النماذج العليا في الشعر الجاهلي.فالتدهور التلقائي في فهم هذه التقاليد شديد الوضوح عند شعراء من أمثال الفرزدق (4 2/ 0 4 6 - 1 1 1 /729) وهو من اهم الشعراء الامويين, وهذا مثل واحد وحسب. اما الانقطاع في التواصل الشعري في بواكير الفترة التي اعقبت فتح الاندلس فقد امتد لفترة اطول في الواقع.
مما نتج عنه اغتراب اكبر لدى شعراء فقدوا سيطرتهم التلقائية على العبارة الشعرية. ويجب ان نذكر انه عندما حان الوقت لانعاش الشعر في شبه الجزيرة الايبيرية، لم يكن للشعر العربي في الاندلس اي جذور مباشرة يعود اليها،لكنه في المشرق, عندما اعاد اليه الامويون اعتباره السابق, سرعان ما بدأ بالتطور في المراكز الكبرى لدار الخلافة، واستطاع الشعراء أن يستحضروا ذاكرة شعرية غنية لم تكن غائبة تماما،بل كانت مغيبة الى حين, كانت بعض الاشارات الرهيفة قد ضاعت عند الشعراء، لكن الذي لم يضع هو تملكهم للعبارة الشعرية العامة نفسها، لذا غدا بمقدور الشعراء ان يستمدوا قوة وطلاقة من هذه العبارة الشعرية التي وجدوها كاملة بين ايديهم وكانوا يحاولون دائما، في الوقت نفسه, تكييفها لتلائم طريقة الحياة الجديدة.
والواقع ان الشعر غدا بالغ النشاط في الفترة الاموية، لانتشار استخدامه : لا سلاحا سياسيا بيد الخلافة وحسب, بل مصدرا رئيسا للمعرفة اللغوية كذلك,يتطلبه علماء اللغة والدين, حتى غدت الحصيلة الشعرية المتراكمة في المشرق تتنامى مع الزمن. اما في الاندلسى، من ناحية اخرى، فان الادب والشعر قد انقطعا قليلا عن اصولهما، ولم يحفل بهما كبار الادباء في المشرق. فمراكز الأدب في المشرق,حيث ينشط اكابر الشعراء والنقاد، ويحتدم الجدال حول الابداع الشعري, كانت مراكز قصية، منشغلة بما يتكاثر فيها من انتاج, وغير معنية كثيرا بالنشاط الأدبي في الاندلس, حتى عندما صار ذلك النشاط مرموقا.
ان قراءة الشعر الاندلسي تحمل على الاحساس بان ذلك الشعر كان يخضع طوال تاريخه لصراع كبير، فهو شعر ولد من تراث عظيم لكنه انفصل عنه مكانيا، وبقي يحن اليه بشكل بالغ وان كان يعاني في الوقت نفسه من مشاعر العداء البسيط ايضا، اي ان علاقته كانت علاقة حب وبغض معا، وقد انعكست في ذلك الجهد الدؤوب الذي ابداه الشعر الاندلسي لكي يتفوق على نظيره المشرقي, وهو ما يفسر الميل لدى كثير من الشعراء ان يعودوا الى جذور اللغة،ويحاولوا جهدهم الاحاطة بالشوارد والأوابد والغريب في اللغة،وما فيها من مفردات غير مألوفة وقواف نادرة.
ولكن يجب ان نسارع الى القول ان هذه العزلة قد خففت منها الاتصالات الشخصية، وتبادل العلماء والشعراء واستيراد الكتب, وقد جرى ذلك كله على نطاق واسع, وخصوصا منذ نهايات القرن الثالث للوجود الاسلامي في الاندلس, ويعزو الباحثون اهمية كبرى لاقامة ابي علي القالي في الاندلس, وما حمله من كتب, وما يقال عما نشره من معرفة أدبية. فقد وصل القالي الى الاندلس عام 330/ 941، ربما، حسب ما يرى احسان عباس, بناء على دعوة من الحكم المستنصر عندما كان ولياللعهد، وكان القالي مايزال في الاندلس في عهد الحكم (350/ 961ـ 366/ 976) الذي كرمه وعامله باحترام بالغ (وقد كتب القالي للحكم كتابه الشهير الامالي في الزهراء) ويبدو أن وصول القالي كان يمثل نهضة في الدراسات اللغوية والأدبية في الاندلس...
وأثر القالي في الاندلس بحاجة الى دراسة مستقلة... ولكن يكفي ان اشير هنا الى كثرة ما هاجر معه من كتب الى الاندلس, فيها من الدواوين عدد جم وبخاصة دواوين الجاهليين والامويين والمجموعات الشعرية الهامة كالمفضليات وشعر الهذليين والنفائض, فما ادخله من دواوين الشعر؟ شعر ذي الرمة وعمرو بن قميئة والحطيئة وجميل! (ابن معمر) وابى النجم والنابغة الذبياني وعلقمة بن عبدة والشماخ والاعشى وعروة بن الورد والنابغة الجعدي وكثير عزة والاخطل. وغير هؤلاء كثير.
كان الحكم المستنصر راعيا للثقافة في شتى فروعها، فقد جلب اعدادا كبيرة من الكتب الى المشرق (ويقال انه كان يمتلك مكتبة هامة تضم اربعمائة ألف مجلد)، وكان متحمسا في تشجيع الحياة الثقافية الناشطة، يدعم الشعراء والعلماء،ويكلف هؤلاء شخصيا بتأليف الكتب, موجها أكثرها نحو الأدب والحياة الثقافية في الاندلس, معبرا بذلك عن روح وطنية اندلسية اصيلة، ورغبة في توكيد الثقافة الاندلسية نفسها،اضافة الى التنافس مع المشرق العربي.
من الواضح إذن ان الشعر الاندلسي لا يكشف عن أي تسرب فعلي من اللغات الايبيرية المحيطة به (والواقع أن الشعر العربي له تاريخ من التماسك الشديد والمقارنة، مما وفر له الحماية والاستمرار)0
ان الذي يضعف الشعر هو التفكك في بنية جمله,والضعف في تراكيبه, والتغريب في عبارته الأدبية، واضطراب في منطقه التلقائي, والأمر الأخير يرتبط بالنظرة الاساس الى العالم لدى شعب بعينه, لكن هذالم يحدث للشعر الرسمي في الأندلس, الذي تميزت لغته بالابتكار غالبا، وبالجزالة دائما، ولم يكن فيها ما يدل على ضعف اساس. ثم اني أرى أن التراث الشعري في الاندلس, إن لم يكن غريزيا قدر ما كان عليه الشعر في المشرق, فإنه لم يكن عميق التأثر بنظرة مختلفة إلى العالم,كانت لدى المحيطين بالشاعر من غير المسلمين, فقد بقيت المتطلبات الموضوعية في الجيد من شعر المشرق على حالها، مع ما يتبع ذلك من نظرة إلى العالم. فقد ظهر الكثير من شعر المديح, كما استمر الفخر والهجاء، وشعر الوصف, وهو العنصر الرابع الذي اعتبره النقد المشرقي اساسا في الشعر الجيد، تكاثر هو الآخر في تطور مبدع.
وربما كان أهم جنوح للشعر الاندلسي عن مسار الشعر في المشرق هو ضعف عنصر الحنين فيه بالقياس الى الشعر المشرقي - ويتضح هذا النقص حتى عند شاعر شديد التعلق بالقديم مثل ابن هانيء, بالرغم مما يفعم عبارته من حماس لميوله الشيعية (وهو ما يؤدي دائما الى تسرب عنصر من الحنين العميق الى شعر الشيعة في المشرق)0 ان طبيعة هذا الحنين في طبيعة الشعر التراثي نفسه, يتغذى من حياة التنقل في الصحراء، من وحدة الانسان وما يحكمه من فراق, من فقدان مفاجىء لأشياء عزيزة على القلب : العزة والحرية بعد هزيمة في غزوة مفاجئة، الحب, الاشياء الحميمة. وكان يحفزه كذلك التنقل الدائم المرهق في المنازل, بفعل الترحال والانتقال في طلب الكلأ.
ثمة صوت معذب في الشعر العربي القديم, فيه تمزق ومعاناة، وارتعاش على حدود الحياة والموت, دائم الوعي بتقلبات الزمن, بمخاطر الوجود ومخاوفه. لكن شيئا من هذالا يصدق على الشعر الأندلسي, على كثرة الحروب والاضطرابات.وعندما حلت المآسي في القرن الخامس / الحادي عشر وبعده,وعم اضطراب مفاجىء لا تفسير لأسبابه في وجود كان ينعم بالعزة والاستقرار، استجاب الشعراء للأمر بأساليب واضحة المعالم.
ويصف ابن شهيد التفكك والكابوس الذي نزل على قرطبة أيام الفتنة بين الأعوام399/ 1009ـ 422/ 1031، ويندب ابن اللبانة أفول نجم صديقه القديم وراعيه الملكي المعتمد بن عباد، ويكتب الرندي مرثاته الكبرى حول ضياع قرطبة، لكن أسى هؤلاء الشعراء ملموس, محدد وشديد الوضوح في ما يشير اليه, يرتبط بموضع الرثاء المحدد، ويتجه الحنين فيه نحو حدث أو مكان معين. اما في المشرق العربي فقد تبقى في الشعر صوت صحراوي شجي, مثل ناي وحيد،ومازال فيه حتى هذه الأيام, لا في الاغاني الشعبية في جبال لبنان وحسب, ولا في بطاح الأردن وكثبان العراق, بل حتى عند شعراء الطليعة المعاصرين.
ثمة الكثير من الحنين والحزن يسري في تضاعيف الروح العربية في شتى مظاهرها. والواقع ان الروح العربية طالما غيبها الحنين واستعادتها الذكرى. لماذا لم يكن الأمر كذلك في الاندلس ؟ احدث ذلك في المشرق العربي بسبب استمرارية التقاليد الشعرية الى جانب التقاليد الاجتماعية، والتواصل غير المنقطع في الموتيفات منذ العهد الاموي؟ أكان السبب أن الذاكرة الاندلسية قد أصابها انقطاع كامل عن حياة الصحراء وروحها المهيمنة، إذ كان أغلب الشعراء مرتبطين بأسلوب حياة حضري ؟ أكان السبب ان "اللذة" كانت مطلبا يمكن نواله عادة في مدن الأندلس المزدهرة،التي كانت تزخر بالجواري والغلمان.
الى جانب أنواع أخرى من اللذة ؟ مهما يكن السبب, فانني لا اجد في هذا الشعر لوعة الروح, وضيعة نفس الشاعر، والعطش الذي يبقى أبدا دون ارتواء. والكثير من الشعر الاندلسي هو شعر ارتواء وشبع وقناعة، شعر فراغ وراحة لدى شعراء انغمسوا في فن الوصف الدقيق لتجارب خارجية، كما نرى في فن الربيعيات الزهريات الذي انتشر في الاندلس انتشارا واسعا. كان في المشرق شعراء حضريون مثل ابن المعتز ( 249 / 861 - 296 /08 9) والصنوبري (المتوفي عام 324/ 939) قد كتبوا هذا الشعر ايضا، لكن الشعر العباسي,بما فيه شعر هذين الشاعرين, ينطوي على مسحة غير خافية من الحنين - ويصدق هذا حتى على أصلب الشعراء عودا، ابو العلاء المعري (947/363 - 58/449 0 1).
ان الذي نلمسه مباشرة في الشعر الاندلسي هو هذا الفرح الخالي من الميوعة،وبهجة بالحياة تكاد تكون وثنية. والواقع اننا نجد مثل هذا عند المشرقي ابي نواس (141/760 - 200/816) في اشعاره عن الحب والخمر، لكن في شعره اندفاعا أكثر، وحماسا أشد،وبهجة بالحياة أعمق تكشف في الوقت نفسه عن رؤية وجودية أبعد غورا، وادراكا أشد دقة لما في الحياة من خديعة، وتشاؤما جعله يحس بتربص الموت في مطاوي المجهول, حتى غدا فرحه في النهاية ممزوجا بهذا الادراك. ان محاذرة الميوعة العاطفية في الشعر الاندلسي تسترعي الانتباه فعلا، لكن احساس الشاعر بالحرمان حتى في لحظات الحب, وهو احساس ينبع من ادراكه الداخلي العميق بالتغير الدائم في الحياة، لا وجود له اجمالا. |
|
 |
|
 |